newsfeed

أميرة بابلية


محمد عامر
بغداد

أميرة بابلية

"أيسعدُ محيّاكم بغير نسائكم       وهل سعدت أرض بغير سماء"
معروف الرصافي

أنا لا اؤمن بحقوق المرأة!
أعلم بأني افتح الباب على مصراعيه امام المظلومات من ضحايا الالم الوهمي بالعبودية, وسبب هذه العبودية هو ظلم الذكور, بمناسبة انطلاق مجلة "بيت بيوت" ويصادف يوم انطلاقها (يوم المرأة) كان لابد ان يكون لي بعض من الاسطر المتواضعة لتحاكي هذا الموضوع الذي اصبح "مودة" العصر.

عندما كانت الحركة النسوية الحديثة مجرد فكرة تعاني الام المخاض, تمر بطورها الاول (الطور المؤنث Feminine) في منتصف القرن التاسع عشر, حاملا لواءه العديد من النساء مثل اليزابيث غاسكال ولوسي ستون واليزابيث ستانتون وسوزان انتوني, وقبل نضوجها الى الطور الثاني (الطور النسوي Feminist) حاملا رايته اليزابيث روبنز وايملي دايفسون, وقبل ان تكلل فيرجينا وولف وسميون دي بوفوار بانواط اعظم المدافعات عن حقوق المراءة, لتكون دعوة الى استعادة المراءة لنفسها, لتتخلص من براثن جحيم النظرة الذكورية, وكيف لا؟ وان اعظم المنظرين في التاريخ, كأرسطو و القديس بول وتوما الاكويني ونيتشه وغيرهم من يلبسون لباس المؤسسات الدينية يعتبرون ان عبودية المراءة هي الوضع الطبيعي.
وقبل ان يأتي معروف الرصافي في المجتمع العراقي متأثرا باسطورة زيوس وخلق البشر, حيث قطع زيوس (ملك الهة الاغريق) هؤلاء البشر الى نصفين لكي يتجنب بأسهم ولكي يضعف من قوتهم, فنادى الرصافي بحقوق المراءة دون ان يعادي الرجل, معتقدا ان قيد الرجل هو نفسه قيد المرأة, وان ما يحرره يحررها, فلا يستطيع الرجل المقيد والمسلوب الحرية ان يمنح المرأة حريتها, فالعبد لا يمنح الحرية للاخرين, وهكذا فالانسان الحالي يمثل نصف كائن, وبحث النصفين عن الاخر  ماهو الا عودة الى الوحدة الاولى, كما في الاسطورة الاغريقية, فيعتقد الرصافي انهما يكونان كونا رائعا متكاملا, وتصحر احدهما يعني تصحر الاخر, وخصبه يعني خصبه واخضراره.
لكن المضطهد يسعى بوعي الى القاء اللوم على من اضطهدة, ولكن كيف تطالب المرأة حريتها من عبد مثلها؟ إن التمثيل العقلي لواقع اجتماعي لا يمثل الواقع ذاته, فالرجل قابع تحت اوزار المجتمع والقوانين والسياسة والدين, فهل اضطهد الرجل الانسان؟ ولكن كيف والانسان هو الرجل والمرأة, فللمرأة ما للرجل, الم يكن للنساء بصمة في التاريخ متواصلة غير منقطة مثل بو-ابي (شبعاد) وكوبابا واينهدوانا وشمو-رامات (سيمراميس) ثم الالاف من النساء من الفيلسوفات والعالمات والعاملات والامهات, واجهن الصعاب والتحديات, اوليست الحياة مجموعة صعاب وتحديات للوصل الى النجاح؟
وهنا يأتي موضوع المقال! انبثق كتاب "اميرة بابلية" من ظلمة 7 قرون رزح فيها العراق تحت غمام من التخلف والجهل, وندرة في الشخوص الخالدة الا ما ندر, طواهم النسيان في صفحات المختصين فقط, ولايعلم عنها العامة الا النزر القليل.
 اماطت الكاتبة امل بورتر اللثام عن كتاب "اميرة بابلية" بعدما كان حبيسا بكل فخر بين جدران المكتبة البريطانية لامرأة عراقية كتبت قصة حياتها باللغة الانكليزية في عام 1840 لتكون قبس لمن بعدها عن تاريخ مهم في حقبة مبهمة من تاريخ العراق, فتاة من تلكيف ولدت في خيمة بين خرائب نينوى عام 1804, تنقل فيه احداث وشخوص تلك الحقبة في بغداد بعد ان اصابها وباء, فترتحل الى نينوى, ثم تصبح يتمية يتحتضنها البدو, ساردة الحياة الاجتماعية والسياسية والعمرانية, بطريقة بسيطة مشوقةمعتمدة اسلوب شهرزاد في سرد القصص عن طريق خلط اوراق الحاضر بذكريات الماضي بعفوية, تنقل واقع التخلف والجهل والتعصب العرقي والديني والطائفي, وتتغزل بجمالها وكرم اهلها وسماحتهم وغيرها من العادات والتقاليد المدعاة للذم او المدح دون تعصب, ثم بعد ذلك تستمر متحدثة عن نفسها بعد ان انطلقت عبر الوديان والجبال والبحار, زائرة سوريا وفلسطين ولبنان وتركيا, ثم الى ايطاليا وفرنسا وانجلترا, تتعرف بها على امراء وملوك واشراف حتى تلتقي بالبابا, تتكلم السريانية والعربية واللاتيية والتركية والكردية والفرنسية والايطالية والانكليزية.
"ماري تيريز اسمر" خلدت اسمها دون طلب الحرية من الرجال, ودون ان تستلم لعبوديتها للمجتمع, دون ان تحارب الفكر الذكوري ايضا, كاسرة الحواجز, خارجة عن الاطر التقليدية, كاتبة بأسلوب ادبي معاصر ليكون واحد من اهم الكتب في نهاية القرن التاسع عشر ادبيا وتاريخا, تنادي بحرية المرأة الحقيقة, فالحرية ليست حق انما الحرية استحقاق.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق